حسن ابراهيم حسن

175

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

على الرسول أنه لو عاد إلى قبلتهم ، لكانوا يرجون أن يكون صاحبهم الذي ينتظرونه - كل ذلك ليفتنوه فيتبع قبلتهم ، فأجاب اللّه عن ترهانهم بأن اللّه المشرق والمغرب . وبأن لكل شريعة قبلة كما يعلمون ، ثم أيأسهم من رجوع الرسول إلى قبلتهم ، فقال تعالى : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ( سورة البقرة 2 : 145 ) . « أما تعيين القبلة في الصلاة فقد ذكروا فيها حكما : أحدها أن اللّه تعالى خلق في الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات ، وقوة خيالية منصرفة في عالم الأجسام . وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية ومصاحبتها . فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد ، وجب أن يضع له صورة خيالية يحسنها ، حتى تكون له تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية . ولذلك فإن المهندس إذا أراد إدراك حكم من أحكام المقادير وضع له صورة معينة وشكلا معينا ، ليصير الحس والخيال معينين للعقل على إدراك ذلك الحكم الكلى . ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم ، فإنه لابد أن يستقبله بوجهه ، وأن يكون معرضا عنه ، وأن يبالغ في الثناء عليه بلسانه ، ويبالغ في الخدمة والتضرع له ، فاستقباله القبلة في الصلاة يجرى مجرى كونه مستقبلا للملك لا معرضا عنه ، والفراءة والتسبيحات تجرى مجرى الثناء عليه والركوع والسجود يجرى مجرى الخدمة . . . وثالثها أن اللّه يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين . وقد ذكر المنة بها عليهم حيث قال : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ( سورة آل عمران 3 : 103 ) . ولو توجه كل واحد في صلاته إلى ناحية أخرى لكان ذلك يوهم اختلافا ظاهرا ، فعين اللّه تعالى لهم جهة معلومة وأمرهم بالتوجه نحوها ليصل لهم الموافقة بسبب ذلك . وفيه إشارة إلى أن الله يحب الموافقة بين عباده في اعمال الخير « 1 » . ( ج ) أركان الدين : لم يكن للعرب قوانين معروفة ، فقد كانوا يرجعون إلى رؤسائهم فيما ينشأ بينهم من خلاف ، حتى جاء الإسلام بقانون سماوي هو

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ، سورة البقرة 2 : 142 - 150 .